مقدمة
يهدف هذا التقرير إلى تقديم رصد وتحليل نقدي لأبرز الأحداث السياسية والاجتماعية والاقتصادية في المملكة العربية السعودية خلال شهر فبراير من عام ٢٠٢٥ مع التركيز على تقييم سلوك النظام السعودي وسياساته. التقرير يُسلط الضوء على التناقضات بين التوجهات المعلنة والسياسات الفعلية، وتأثيرها على القضايا الإقليمية والدولية. تم إعداد التقرير بالاستناد إلى مصادر متنوعة، تشمل وكالات أنباء محلية ودولية، وتقارير منظمات دولية، وتحليلات خبراء.
شهدت المملكة العربية السعودية في الآونة الأخيرة تحولات سياسية ودبلوماسية واقتصادية وأمنية تعكس محاولة سعيها لتعزيز مكانتها الإقليمية والدولية. فمنذ سقوط النظام السوري السابق، سعت السعودية إلى مد نفوذها في سوريا عبر محاولة احتواء للحكومة السورية الجديدة والوعد بتقديم الدعم للرئيس الجديد أحمد الشرع، رغم العقبات التي تعترض تحقيق أهدافها. وفيما يخص القضية الفلسطينية، يبدوا أن مشروع التطبيع تعثر بسبب تصريحات نتنياهو بشأن إقامة دولة فلسطينية على أراضيها، مشددة على موقفها الثابت، رغم استمرار الاتفاقيات الملاحية والتجارية فإنها لم تقطع العلاقة بالاحتلال الصهيوني. كما استضافت السعودية اجتماعات إقليمية لمناقشة المطالب الأمريكية المتعلقة بغزة وحرب روسيا وأوكرانيا، مما أثار تساؤلات حول مدى توافق موقفها المعلن مع ممارساتها الفعلية.
على الصعيد الأمني، أعلنت المملكة عن استضافة المقر الإقليمي للإنتربول، ما أثار جدلًا حول إمكانية استغلاله في قمع المعارضين، مما قد يؤثر على مصداقية التعاون الأمني الدولي. وفي ملف حقوق الإنسان، أطلقت الحكومة مشاريع لمكافحة العمل الجبري وتطوير الأمن المجتمعي، محاولةً تحسين سجلها الحقوقي، لا سيما مع استضافتها فعاليات رياضية كبرى. ومع ذلك، تواجه انتقادات مستمرة بشأن أوضاع العمالة، خصوصًا في مشاريع نيوم والبحر الأحمر.
كما شهد المشهد الداخلي بعض الانفراجات الحقوقية مع الإفراج عن عدد كبير من المعتقلين السياسيين، رغم استمرار الاعتقالات التعسفية وسط دعوات لمزيد من الإصلاحات. وفي إطار إعادة صياغة الهوية الوطنية، احتفلت السعودية بيوم التأسيس في ٢٢ فبراير، وهو احتفال يعزز الرواية الرسمية الجديدة للدولة، في ظل انتقادات بشأن إقصاء التنوع التاريخي. كما أطلقت أسماء أئمة وملوك الدولة على ميادين رئيسية في الرياض، ما يعكس ترسيخ حضور العائلة الحاكمة في المجال العام. إضافة إلى استمرار الهدر المالي عبر برامج الترفيه والتقتير على المواطنين في حساب المواطن. 
تعكس هذه التطورات مساعي السعودية المتسارعة وغير المحسوبة في كثير من الأحيان لتعزيز نفوذها وسيطرتها داخلياً ومحاولة القيام بدور خارجي يضفي لها شيء من القيمة، لكنها تواجه تحديات تعيق تحقيق أهدافها، مما يطرح تساؤلات حول مستقبل سياساتها وتوازنها بين المصالح الإقليمية والدولية.

زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى السعودية:
استقبلت الحكومة السعودية الرئيس السوري أحمد الشرع في الرياض في مطلع شهر فبراير، حيث تأتي هذه الزيارة الأولى للحكومة السورية الجديدة بعد عدد من الترتيبات التي حدثت بعد إسقاط الأسد من السلطة وهروبه إلى موسكو. الموقف السعودي ظهر مرتبكاً في مطلع الأحداث السورية، إلا أنه تدارك الوضع وفتح خطوط التواصل مع الطيف السوري الحاكم وكذلك التمثيل السياسي لدى هذه الحكومة الذي ظهر في استقبال وزير الخارجية السوري الجديد في نهاية شهر يناير لهذا العام لترتيب الموضوعات والقضايا التي سوف يتم مناقشتها. تناولت المباحثات المستجدات على الساحة السورية والجهود المبذولة لرفع العقوبات عن سوريا. ظهرت في وسائل الإعلام السعودية المحلية الاحتفاء بقدوم الشرع إلى السعودية بوصفها البلد الذي ولد فيه، وأيضا إيصال رسالة أن سوريا عادت إلى الإقليم العربي. 
تحاول السعودية احتواء المشهد السوري والحكومة الحالية من خلال وعود بالمساهمة في رفع العقوبات عن سوريا والمعاونة في إعادة إعمارها. في الوقت ذاته ترسل السعودية معونات إغاثية تقليدية من وقت إلى أخر، دون تقديم مساعدات نوعية مثل التزويد بالوقود أو إيداع عملات مالية. بل إن المساعدات التي ترسلها هي ذاتها التي كانت تقدم للشمال السوري. ومع ذلك، تواجه هذه الجهود تحديات كبيرة، أبرزها التناقضات في السياسات الداخلية والخارجية، والضغوط الدولية، والتوترات الإقليمية. يرى المراقبون أن نجاح السعودية في تحقيق أهدافها يتطلب تبني سياسات أكثر شفافية وتوازنًا، مع التركيز على تحقيق مصالح شعوب المنطقة بشكل حقيقي.


السعودية وتفاعلها مع القضية الفلسطينية:
في مطلع شهر ٨ فبراير أدلى رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بتصريحات مثيرة للجدل، مقترحًا أن تقوم السعودية بإنشاء دولة فلسطينية على أراضيها. هذه التصريحات قوبلت بانتقادات الحكومة السعودية، التي رأت فيها محاولة لتفريغ القضية الفلسطينية من محتواها وتحميل السعودية ومصر والأردن مسؤولية حل لا يخدم مصالح الشعب الفلسطيني. وعبرت وزارة الخارجية السعودية في بيان لها أن "موقف المملكة العربية السعودية من قيام الدولة الفلسطينية هو موقف راسخ وثابت لا يتزعزع". تلى ذلك خروج السفير السعودي الأسبق لدى الولايات المتحدة في مقابلة مع شبكة "سي إن إن"، أكد الفيصل: أن تطبيع العلاقات مع إسرائيل مرهون بتحقيق سلام عادل وشامل يضمن حقوق الشعب الفلسطيني. هذا الموقف أثار انتقادات من قبل بعض الأطراف التي ترى فيه تراجعًا عن الدعم الكامل للقضية الفلسطينية. 
إضافة إلى ذلك دعت السعودية الأردن ومصر ودول الخليج لعقد اجتماع حول مناقشة مطالب الرئيس الأمريكي ترامب بالبحث عن أرض "وطن" لأهل غزة. حيث استضافت السعودية في ٢٠ فبراير لقاء غير رسمي جمع عبد الله الثاني ملك الأردن، والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ورؤساء دول الخليج. هذا الاجتماع أثار تساؤلات حول غياب الشفافية في مناقشة القضايا الإقليمية المهمة، حيث لم يتم الإعلان عن جدول أعمال واضح أو نتائج ملموسة،  و أوضح الاجتماع بأن السعودية لم تكن لديها رؤية واضحة في التعامل مع الملف الفلسطيني، فهي قاربت من التطبيع قبل السابع من أكتوبر، وبعده اشترطت لأجل التطبيع بتوفير شروط الحماية الأمنية والمشروع السلمي النووي، ثم أعلنت أن التطبيع مع الاحتلال لن يكون إلا بإقامة دولة فلسطينية. 


كل هذا التخبط هو شكل من أشكال تعامل السلطة السعودية الأحادي مع القضية الفلسطينية بعيداً عن الرغبة والإرادة الشعبية. فالنظام السعودي عندما يلوح ترامب أو المحتل الصهيوني بوجوب تحمل السعودية استضافة عدد من الفلسطينيين يحاول أن يرفض هذا المطلب بحجة الدفاع عن فلسطين. يحاول في الوقت ذاته يدين ويقمع كل من يتحدث عن مناصرة القضية الفلسطينية. إضافة إلى أن السعودية غير جادة في تعاملها مع الاحتلال، فمع كل هذه التصريحات الصهيونية التي تمس السيادة السعودية فإن محمد بن سلمان لم يُوقف الاتفاقيات التجارية والملاحية بينه وبين الاحتلال. لهذا يرى النقاد حسب صحيفة فايننشال تايمز أن هذه التصريحات السعودية، رغم قوتها، قد لا تكون كافية للضغط على إسرائيل لتغيير سياساتها، خاصة في ظل غياب خطوات عملية ملموسة لدعم القضية الفلسطينية.

السعودية المقر الإقليمي للمنظمة الدولية المتخصصة بالشرطة الجنائية (الإنتربول):
تُعَدّ استضافة المملكة المقر الإقليمي للمنظمة الدولية المتخصصة بالشرطة الجنائية خطوة خطيرة في تعزيز تمكين القمع وتقنينه بما يتوافق مع مصالح الأنظمة المستبدة، حيث إن هناك مخاوف جدية وواقعية حول تعسف الحكومة السعودية في استخدام نفوذها داخل هذه المؤسسة من خلال هذه الاستضافة. أن هذه الاستضافة لها عدد من التبعات وهي كالتالي:
استهداف محتمل للأصوات المعارضة لسياساتها من معارضين مقيمين في الخارج: حيث هناك قلق من أن السعودية قد تستغل وجود المقر الإقليمي لتعزيز نفوذها داخل المنظمة، ما يسهل إصدار "النشرات الحمراء" ضد المعارضين السياسيين والناشطين الحقوقيين المقيمين في الخارج، مما قد يؤدي إلى اعتقالهم أو ترحيلهم.
غياب الشفافية والمحاسبة: تُعرف الحكومة السعودية السلطوية بعدم الشفافية فيما يتعلق بحقوق الإنسان، وتواجه انتقادات دولية بشأن إساءة استخدام القوانين لمحاربة المعارضين. وقد يؤدي ذلك إلى استغلال المقر الإقليمي لتعزيز نفوذ المملكة في عمليات الإنتربول، ما قد يحد من قدرتها على اتخاذ قرارات محايدة. 
تأثيرها على قرارات التعاون الأمني الدولي: وجود مقر إقليمي للإنتربول في السعودية قد يمنحها نفوذًا غير متوازن في توجيه التحقيقات الدولية أو التأثير على أولويات الشرطة الجنائية في المنطقة. وهذا يساهم في إضعاف استقلالية المنظمة ويعرّضها لضغوط سياسية تخدم مصالح معينة بدلاً من الأهداف الجنائية البحتة.
تأثير ذلك على سمعة المنظمة الدولية: تُعتبر السعودية واحدة من الدول التي تتعرض لانتقادات بسبب سجلها الحقوقي القمعي، ما قد يؤثر على صورة المنظمة ويجعلها عرضة للاتهامات بأنها تتعاون مع أنظمة دكتاتورية، وهذا يساهم في تقويض ثقة الدول والمنظمات الحقوقية في استقلالية عمل الشرطة الجنائية الدولية.
التعاون الأمني الإقليمي وتأثيره على الحريات: من المؤكد أن تستخدم السعودية المقر لتعزيز التعاون الأمني بين السعودية والدول المجاورة بطرق قد تؤثر على حرية التعبير، خاصة إذا تم تبادل المعلومات الاستخباراتية بشأن المعارضين والناشطين. قد يكون لذلك تبعات على اللاجئين السياسيين والمقيمين في الدول المجاورة ممن يعارضون السياسات السعودية.
لهذا استضافة السعودية لمقر إقليمي للمنظمة الدولية المتخصصة بالشرطة الجنائية يثير مخاوف كبيرة تتعلق بحقوق الإنسان، إساءة استخدام النفوذ، والتأثير على نزاهة المنظمة. في ظل سجل المملكة في ملاحقة المعارضين وتقييد الحريات وتعزيز القمع، يخشى الكثيرون أن تُستخدم هذه الخطوة لتعزيز سيطرة السعودية على التعاون الأمني الدولي بطرق تتجاوز الأهداف الجنائية إلى أهداف سياسية وأمنية تخدم أجنداتها الخاصة.

السياسة الوطنية للقضاء على العمل الجبري في المملكة العربية السعودية وإدارة عامة للأمن المجتمعي ومكافحة جرائم الاتجار:
أعلنت السعودية عن مشروع للقضاء على العمل الجبري، في التزامن مع إعلان مجلس الوزراء عن إسناد إدارة جديدة تحت وزارة الداخلية تسمى "إدارة عامة للأمن المجتمعي ومكافحة جرائم الاتجار بالأشخاص" ترتبط بالأمن العام. حيث نص قرار التأسيس على هذا التعريف الوارد في بيان مجلس الوزراء " تُعنى الإدارة بمكافحة الجرائم التي تتعدى على الحقوق الشخصية أو تمتهن الحريات الأساسية المكفولة شرعًا ونظامًا أو تتجاوز على كرامة الأفراد بأي صورة كانت، وذلك بهدف القضاء على تلك الجرائم، وتعزيز أمن المجتمع وسلامته عبر مكافحة أنشطة الشبكات الإجرامية وتفكيكها، والقضاء عليها." حيث أن كلا المشروعين نوعيين في التعامل مع العمالة الوافدة بشكل محدد. على الرغم من مشروع القضاء على العمل الجبري فهو  مايزال مسودة لم يتم الانتهاء منها بعد، لكن هو تمهيد لإظهار حالة التحسين التي تزعم السلطات السعودية أنها تقوم بها نحو العمالة الأجنبية الوافدة. 
وفقًا لأحدث التقارير الرسمية لعام ٢٠٢٤، يُقدر أن عدد الأجانب العاملين في المملكة يبلغ حوالي ١٥.٧ مليون أجنبي، وتشير بعض المصادر أن نسبة العمالة هي ٤١٪ وتشير هذه الإحصائيات إلى استمرار اعتماد الاقتصاد السعودي على العمالة الأجنبية، رغم الجهود المكثفة لتحقيق السعودة (توطين الوظائف). تُظهر بيانات الموارد البشرية أن القطاعات التي تستقطب غالبية العمالة الأجنبية تشمل:
قطاع النفط والغاز: الذي يعتمد بشكل كبير على الكفاءات الأجنبية المتخصصة.
الإنشاءات والبنية التحتية: حيث يشهد هذا القطاع مشاريع إنمائية ضخمة تستدعي خبرات متنوعة.
الخدمات اللوجستية والتجارية: التي تظل من القطاعات الحيوية والتي تتطلب مهارات متخصصة غير متوفرة بكثرة في السوق المحلي.

ويبدو أن قطاع الإنشاءات والبنية التحتية والخدمات اللوجستية والتجارية هو المستهدف والمعلن إصلاحه كما تزعم السعودية وذلك بسبب المشاريع الكبرى التي تقوم بها السعودية خلال السنوات الماضية والقادمة. حيث سلطت بعض الأعمال الإعلامية والأفلام الوثائقية الضوء على حالة البؤس الذي تعيشه العمالة الوافدة في السعودية، في ظروف قسرية وعديمة الإنسانية لعدد غير قليل من العمالة  القادمة من شرق آسيا. وأيضا تتمركز عدد من شركات المقاولات في شمال غرب السعودية في إقامة معسكرات بناء للعمالة لأجل العمل في مشاريع نيوم والبحر الأحمر، حيث إن العمالة تعيش حالة من البؤس ويعيشون فقط لأجل العمل في هذه المشاريع على مدار الساعة. وأيضا يبدو أن الإعلان عن مشروع للقضاء على العمل الجبري هو تمهيد لتحسين صورة السعودية البائسة قبل شروعها لأجل العمل في مشاريع إنشائية كبرى خاصة بالبطولات الرياضية مثل الأولمبيات الشتوية وكأس العالم. 


التحركات الدبلوماسية السعودية لاستضافة السعودية المحادثات الأمريكية-الروسية في الرياض:
شهدت السعودية نشاطًا دبلوماسيًا مكثفًا، حيث استضافت محادثات بين الولايات المتحدة وروسيا تحضيرًا للقاء بين الرئيسين ترامب وبوتين. تهدف هذه المحادثات إلى التوصل لحل ينهي الحرب في أوكرانيا ويعيد العلاقات الروسية الأمريكية. يرى المراقبون أن السعودية تسعى من خلال هذه التحركات لمحاولة رسم صورة جديدة عن السعودية بأنها فاعل دولي مؤثر، مستغلةً مواردها النفطية ونفوذها الإقليمي. ومع ذلك، يثير هذا الدور تساؤلات حول قدرة المملكة على الحفاظ على توازن علاقاتها مع القوى الكبرى، خاصة في ظل التوترات الدولية المتصاعدة، ومن أبرز النقاط التي تحاول السعودية فعلها من خلال هذه التحركات الدبلوماسية:
-    تعزيز الصورة الدولية للسعودية على حساب الملفات الداخلية: تستغل السعودية هذه الاستضافة لتقديم نفسها كوسيط دولي مؤثر، لكنها تتجاهل المشاكل الداخلية مثل القمع السياسي وملف حقوق الإنسان. بدلاً من التركيز على الإصلاحات الداخلية، يتم توظيف الدبلوماسية المصطنعة بسبب وجود حليف أمريكي قوي مثل الرئيس الأمريكي ترامب في السلطة، ،ذل؛ لخدمة أجندة تلميع الصورة دوليًا.
-    توظيف الوساطة لكسب تنازلات من القوى العظمى: تحاول السعودية استغلال هذه الوساطة للحصول على مكاسب اقتصادية أو أمنية، مثل ضمان استمرار تدفق التكنولوجيا العسكرية أو حماية مصالحها في أسواق النفط. قد تستخدم السعودية هذا الحدث كوسيلة ضغط على الولايات المتحدة لخفض الانتقادات المرتبطة بسجلها الحقوقي.
-    محاولة تقليل الضغوط الأمريكية وتقوية العلاقات مع روسيا: إدارة دونالد ترامب معروفة بتعاملها البراغماتي مع السعودية، لكن هذه المحادثات قد تكون فرصة للرياض لتوطيد علاقتها بروسيا، ما يمنحها مساحة أكبر للمناورة بعيدًا عن النفوذ الأمريكي. قد تستخدم السعودية التقارب مع روسيا كورقة ضغط ضد أي مطالب أمريكية بتغيير سياساتها الداخلية أو الإقليمية.
-    تعزيز مكانتها الإقليمية ضد إيران وتركيا: تهدف الرياض إلى إظهار نفسها كدولة تملك مفاتيح حل الأزمات الكبرى، ما قد يعزز موقفها في مواجهة النفوذ الإيراني والتركي في المنطقة. قد يكون هذا التحرك وسيلة لممارسة ضغط على دول الجوار التي تسعى إلى دور إقليمي منافس.
-    المخاطر المحتملة لانحياز السعودية لأحد الطرفين: رغم محاولة المملكة لعب دور الوسيط، إلا أن انحيازها إلى طرف دون الآخر قد يؤدي إلى تداعيات دبلوماسية خطيرة. إذا اقتربت السعودية أكثر من روسيا، فقد تواجه ضغوطًا وعقوبات أمريكية في وقت لاحق بعد نهاية فترة ترامب، والعكس صحيح إذا بدا أنها تدعم الولايات المتحدة ضد موسكو.
-    استضافة لقاء بوتين – ترامب: مقامرة سياسية محفوفة بالمخاطر: قد تتحول هذه الوساطة إلى عبء دبلوماسي إذا فشلت في تحقيق نتائج فعلية، مما سيؤثر على مصداقية السعودية كوسيط دولي. أي فشل في المحادثات قد يُنظر إليه على أنه دليل على ضعف النفوذ السعودي، بدلًا من اعتباره نجاحًا دبلوماسيًا.


إطلاق سراح عدد من المعتقلين:
على غرار الشهر الماضي، أفرجت السلطات السعودية عن عدد من المعتقلين الذي تم اعتقالات في حملات قمعية متوالية ابتداء من شهر سبتمبر من عام ٢٠١٧. شملت هذه الإفراجات على عدد من الشخصيات المشهورة إعلامياً ممن كان لهم حضور واسع في شبكات التواصل الاجتماعي مثل الأستاذ منصور الرقيبة، والكاتب عبدالعزيز العودة، والإعلامي حاتم النجار، والدكتور الشيخ عبدالعزيز الفوزان، وغيرهم من المعتقلين الذين لا يعرف أحد على وجه الدقة كم عددهم. في حين توالت المطالبات بالإفراج عن عدد أخر من ضحايا القمع التعسفي مثل معتقلي جدة العشرة ومعتقلي حسم مثل الدكتور سعود الهاشمي والأستاذ محمد البجادي وعبدالعزيز الشبيلي وغيرهم. وأيضا معتقلي سبتمبر ٢٠١٧، مثل الدكتور سلمان العودة، وعوض القرني وعلي حمزة العمري وغيرهم من الشخصيات التي لا حصر لها. حيث أن عدد غير قليل من المعتقلين يفضل أهاليهم عدم ذكرهم في التقارير والنشرات الحقوقية خوفاً من مضاعفة العقوبة التعسفية.  


الاحتفال بيوم التأسيس:
احتفل النظام الحاكم في السعودية في ٢٢ فبراير بيوم أطلق عليه يوم التأسيس وهو يوم التحالف الذي تم بين محمد بن سعود ومحمد بن عبدالوهاب. حيث إن التقليد السائد كان الاحتفال باليوم الوطني هو ٢٣ سبتمبر، وهو اليوم الذي تم فيه تغيير أسم الدولة من مملكة الحجاز ونجد وملحقاتها إلى المملكة العربية السعودية وفق مرسوم ملكي صدر في صحيفة أم القرى في العدد ٤٠٦- السنة التاسعة الموافق ٢٢ جمادى الأولى ١٣٥١ الموافق ٢٣ سبتمبر ١٩٣٢ ميلادي. حيث أن هذا التغير صدر في عهد سلمان وابنه محمد، بمحاولة إعادة اختراع صياغة تاريخية لهوية الدولة. وهذا يترتب عليه عدد من الملاحظات، وأهمها هو تجاهل الحقيقة التاريخية التي قامت عليها الدولة وهي عقد بين ابن عبدالوهاب وابن سعود. حيث أن ابن سعود كان حاكم أمارة محدودة في نجد، لكن بسبب طبيعة العقد الذي اقترحه ابن عبدالوهاب توسيع رقعة ومساحة الدولة. أيضا أحد أهم الإشكاليات في تزييف الحقائق التاريخية، هو طمس التنوع التاريخي لكافة المجتمعات والقبائل والكيانات الصغيرة في الجزيرة العربية، إبراز تاريخ مزور ووهمي عن ابن سعود فقط، وهو ما ينطوي على عدد من التشكيكات حول صحة هذه السردية المبالغ فيها. 
حيث إن التلاعب بالذاكرة الجماعية من خلال الإعلام والمناهج الدراسية هو خطوة لصقل رواية رسمية للدولة عن نفسها، وهو ما يعزز شرعيتها على المدى القادم. على الرغم من أن الدولة السعودية الأولى قامت على تحالف سياسي-ديني بين آل سعود ومحمد بن عبدالوهاب "ميثاق الدرعية" ، إلا أن الاحتفال بيوم التأسيس يتجنب الإشارة إلى هذا البعد، مما يعكس توجهًا نحو خطاب قومي منفصل عن الإرث الديني التقليدي. وأخيراً خلق يوم وطني جديد في فبراير يثير التساؤلات حول الحاجة إلى يومين وطنيين، خاصة أن كليهما يخدمان هدفا مشابها وهو تعزيز الهوية الوطنية وفق الرواية الرسمية. إضافة إلى صدور قرار ملكي بإطلاق أسماء أئمة وملوك الدولة السعودية على 15 ميدانٍ بمدينة الرياض، تزامنًا مع احتفاء المملكة العربية السعودية بيوم التأسيس. حيث يرى المتابع أنه يتم تحول الأماكن العامة والطرق إلى أسماء عائلية تخص الأسرة الحاكمة وحدها، وليست على صلة بالمجتمع الحاضر ولا برموزه. أي أن الهوية المحلية التي يراد صنعها هي تعزز حضور الأسرة الحاكمة دون سواها من أفراد الشعب. 

فعاليات هيئة الترفيه المستمرة والاستنزاف المالي المستمر:
الفن جزء أصيل من حياة الشعوب، فجل الشعوب لديها موروث ثقافي تفخر به، وأيضا المجتمعات الحية تشرك الآخرين في مساحات لإظهار فنون وعروض مختلفة كدليل على درجة من الوعي والتقبل. لكن ما يحدث في هيئة الترفيه هو ظاهرة استهلاكية غير منطقية، فمن حيث رؤية-٢٠٣٠ فالترفيه جزء من مداخيل الدولة، وهذا وهم وكذب صريح، حيث إن مشاريع الترفيه أكثر استنزافاً للمال العام من أن تقوم بإدخال أموال جديدة على الخزينة، أو حتى استحداث وظائف محلية للشباب والقطاعات ذات الشأن سواء الفنية أو الخدمية. أحد أهم الإشكاليات التي تواجهها المملكة أن هذه الفعاليات ليست موجهة للداخل المحلي، بل أن معظمها هو للاستعراض. حيث فريق الفعالية يأتي من الخارج، وضيوف الفعالية يتم دعوتهم من الخارج. والدولة تتكلف بمصاريف الطرفين، والمواطن في حالة دهشة تتحول مع الوقت إلى لامبالاة بما يحدث. قائمة مختصرة لفعاليات هيئة الترفيه خلال شهر فبراير.
●    6-8 فبراير: بطولة "LIV Golf" في الرياض، بمشاركة فنانين مثل الشاب خالد ودي جي سنك، وفرقة "Backstreet Boys".
●    6 فبراير: فعالية "فن السوشي مع الشيف تيتسو" في مطعم "سباغو" بالرياض.
●    6-7 فبراير: "مهرجان الجاز" في جدة، بمشاركة 10 دول تحت شعار "جاز والموسيقى الحجازية".
●    7-8 فبراير: "مهرجان ديسرت ساوند" في الرياض، مع عروض حية.
●    7-8 فبراير: "عرض الرياض الرياضي"، متضمنًا تمارين وأنشطة رياضية وعروضًا من علامات رياضية معروفة.
●    8-9 فبراير: "كأس الفارس" في العلا، بمشاركة 250 فارسًا دوليًا في منافسات التحمل.
●    14-15 فبراير: "سباق جي تي إي" في جدة، لأول مرة على مضمار كورنيش جدة.
●    21 فبراير: حفل الموسيقار أ.ر. رحمن في حديقة الديراب بالرياض.
●    21-22 فبراير: "كأس السعودية"، أغلى سباق خيول في العالم، بجوائز تزيد عن 38 مليون دولار، في ميدان الملك عبد العزيز.
●    22 فبراير: الاحتفال بـ"يوم التأسيس السعودي"، متضمنًا فعاليات ثقافية، موسيقية وحرفية في جميع أنحاء المملكة.
●    22 فبراير: مباراة "الكرنفال الأخير"، نزال بين "بيتر بييف" و"بيفول" على لقب بطل العالم للوزن الثقيل، في الرياض.

 حساب المواطن: الأزمة المستمرة:
حساب المواطن هو البديل لصندوق الضمان الاجتماعي الذي يعرفه معظم المواطنين. في عهد محمد بن سلمان تغيرت المسميات وتبدل حال الصندوق إلى إسم جديد وهيكلة حسابية مختلفة. حيث أن الضمان الاجتماعي "حساب المواطن" كان مخصصاً للشرائح الاجتماعية الأكثر فقراً في الوطن. لكن بسبب سياسات الحكومة التقشفية على المواطن تغيرت طبيعة البرنامج وحتى المبالغ التي تمنح للفقراء والشرائح التي تستفيد منها. خلال نهاية هذا الشهر، ظهرت عدد من المطالبات تتخوف من تغيرات مالية قد تضر المواطنين بسبب الخصومات التي تقوم بها السلطة، حيث تزعم السلطة أن هناك العديد من المواطنين لا يستحق المبلغ الذي يودع له وهي مبالغ لا تتجاوز ٢٠٠٠ ريال للأسرة، بحجة عدم تحديث المعلومات، أو حصول الشخص على وظيفة جديدة، و وجود عقد سكني جديد. حيث أن الدولة تقتّر على الشرائح الأكثر في فقراً على مبالغ محدودة في الوقت الذي تحرق المال العام وتستنزفه في أمور كمالية وربما مشاريع غير واقعية دون رقيب أو حسيب. المواطن الفقير والمحتاج هو الصوت الأقل سماع في الواقع المحلي بسبب عدم وجود آليات حقيقية لتمثيل هذه الشرائح التي تعاني من خلل بنيوي في طبيعة السلطة التي لا تأبه بالفقراء والمساكين والمحتاجين وجل هم الاستبداد هو تحسين صورته فقط لا غير. لهذا نؤكد أن مطالب الفقراء بحياة كريمة هي جزء من الأزمات المستمرة التي لن تنتهي بسبب عدم اكتراث الدولة بهم.

الخاتمة:
يظهر التقرير أن المملكة العربية السعودية شهدت خلال شهر فبراير ٢٠٢٥ جملة من التطورات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تعكس ديناميكيات معقدة في سياستها الداخلية والخارجية. فرغم الخطابات الرسمية التي تسعى إلى إظهار المملكة كقوة إقليمية فاعلة ووسيط دولي مؤثر، فإن التناقضات بين التوجهات المعلنة والممارسات الفعلية لا تزال تلقي بظلالها على مصداقية النظام السعودي، مما يثير تساؤلات حول مدى قدرته على تحقيق أهدافه الاستراتيجية. فيما يخص السياسة الخارجية، سعت الرياض إلى تعزيز نفوذها الإقليمي من خلال احتواء الحكومة السورية الجديدة، لكنها واجهت تحديات في تحقيق دعم ملموس لسوريا، مما يعكس براغماتية انتقائية في تعاملها مع الأزمات. أما على صعيد القضية الفلسطينية، فقد أظهرت السعودية موقفًا رافضًا لتصريحات نتنياهو بشأن الدولة الفلسطينية، غير أن استمرار الاتفاقيات التجارية والملاحية مع إسرائيل يضعف من هذا الموقف ويعزز الشكوك حول جدية المملكة في دعم القضية الفلسطينية. على المستوى الأمني، تثير استضافة السعودية للمقر الإقليمي للإنتربول مخاوف بشأن توظيفه لتعزيز القمع السياسي، خاصة في ظل سجل المملكة الحقوقي المثير للجدل. وفي المقابل، تحاول السعودية تحسين صورتها الحقوقية عبر مبادرات لمكافحة العمل الجبري، إلا أن الظروف الصعبة التي يواجهها العمال الأجانب، خصوصًا في مشاريع كبرى مثل نيوم، تعكس فجوة واضحة بين الخطاب والإجراءات. أما على الصعيد الدبلوماسي، فتسعى المملكة إلى لعب دور الوسيط بين الولايات المتحدة وروسيا، مستغلة مواردها النفطية ونفوذها، لكن هذه الاستراتيجية قد تنطوي على مخاطر إذا فشلت في تحقيق توازن بين القوى الكبرى.
ختاماً، تعكس التحركات السعودية رغبة متسارعة في إعادة تعزيز مكانتها الدولية خصوصا بوجود ترامب في البيت الأبيض، إلا أن استمرار التناقضات بين سياساتها الداخلية والخارجية والضغوط الدولية المتزايدة قد يعوق تحقيق هذه الطموحات، مما يجعل مستقبل السياسة السعودية مرهونًا بقدرتها على تبني نهج أكثر توازنًا وشفافية.

 

 

 

التقرير نسخة pdf

To Top